المقريزي
126
إمتاع الأسماع
مسلمة أخويه من الرضاعة - فتحدثا وتناشدا الأشعار حتى قام القوم ، فقال له : كان قدوم هذا الرجل علينا من البلاء ، حاربتنا العرب ، ورمتنا عن قوس واحدة ، وتقطعت السبل عنا حتى جهدت الأنفس ، وضاع العيال ، فقال كعب : قد كنت أحدثك بهذا أن الأمر سيصير إليه ، قال أبو نائلة : ومعي رجال من أصحابي على مثل رأيي ، وقد أردت أن آتيك بها فنبتاع منك طعاما وتمرا ، ونرهنك ما يكون لك فيه ثقة ، واكتم عنا ما حدثتك من ذكر محمد ، قال : لا أذكر منه حرفا ، لكن اصدقني ، ما الذي تريدون في أمره ؟ قال : خذلانه والتنحي عنه ، قال : سررتني ، فماذا ترهنونني ! قال الحلقة ( 1 ) ، فرضي . وقام أبو نائلة من عنده على ميعاد . فأتى أصحابه فأجمعوا أن يأتوه إذا أمسى لميعاده ، وأخبروا النبي صلى الله عليه وسلم ، فمشى معهم ووجههم من البقيع ( 2 ) وقال : امضوا على بركة الله وعونه ، وذلك بعد أن صلوا العشاء في ليلة مقمرة مثل النهار ، فأتوا ابن الأشرف فهتف به أبو نائلة - وكان حديث عهد بعرس ( 3 ) - فوثب ونزل من حصنه إليهم ، فجعلوا يتحادثون ساعة ، ثم مشوا قبل شرج العجوز ( 4 ) ليتحادثوا بقية ليلتهم ، فأدخل أبو نائلة يده في رأس كعب وقال : ما أطيب عطرك هذا ! ! ثم مشى ساعة وعاد لمثلها وأخذ بقرون ( 5 ) رأسه فضربه الجماعة بأسيافهم ، ووضع محمد بن مسلمة مغولا ( 6 ) معه في سرة كعب حتى انتهى إلى عانته ، فصاح صيحة أسمعت جمع آطام اليهود ، فأشعلوا نيرانهم . واحتز الجماعة رأس كعب واحتملوه وأتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم - وقد قام يصلي ليلته بالبقيع - فلم بلغوه كبروا فكبر صلى الله عليه وسلم ثم قال : أفلحت الوجوه ، فقالوا : ووجهك يا رسول الله . ورموا برأس كعب بين يديه ، فحمد الله على قتله ، وتفل على جرح الحارث بن أوس ، وكان قد جرح ببعض سيوف أصحابه فبرأ من وقته . وأصبح رسول الله صلى الله عليه وسلم من الليلة التي قتل فيها ابن الأشرف فقال : من ظفرتم به من رجال يهود فاقتلوه ، فخافت اليهود فلم يطلع عظيم من عظمائهم ولم ينطقوا ،
--> ( 1 ) الحلقة : السلاح عامة والدروع خاصة . ( 2 ) بقيع الغرقد بالمدينة . ( 3 ) يعني ابن الأشرف . ( 4 ) شرج العجوز : موضع قرب المدينة . ( معجم البلدان ) ج 3 ص 334 . ( 5 ) ضفائر رأسه . ( 6 ) سيف دقيق قصير ماض يكون في جرف سوط يشده القاتل على وسطه ليغتال به الناس .